القاضي عبد الجبار الهمذاني

203

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الديباج ، بين أن تكون الغزول التي يحتاج إليها حاضرة ، فيتخيرها ، وبين أن تكون في حكم الحاضر ؛ وقد علمنا أن مع حضور الكلام قد يختلف الاختيار ، في المتخير ، بحسب التجربة والعادة ؛ فلا بد مع العلم بالكلمات من أن تتقدم للمتكلم هذه الطريقة ، في نفسه وفي غيره ، ليعرف مواقع جمل الكلام ، إذا تألفت ، فيفصل بين ما يأتلف من كلمات مخصوصة ، وبين ما يأتلف من غيرها ، ويعرف الطرائق في هذا الباب ، ولا بدّ مع ذلك من محاضرة ما يعلمه ، لأنه قد يجوز أن يتساوى الرجلان في المعرفة ، وأحدهما أقوى محاضرة من الآخر ، وإن كان الّذي يقصر عنه مثله في العلم ، أو أزيد ، لكنه يحتاج فيما نعلم إلى تثبيت وفكرة ؛ فلا بد مع الوجه الّذي ذكرنا من قوة المحاضرة ؛ ولهذا الوجه يتفاضل العلماء بذلك ، فيصح من بعضهم ، من الخطب والشعر ، ما لا يصح من غيره ، وإن كان في العلم ربما ماثل أو زاد ، ولا بدّ مع كل ما ذكرناه ، من تأييد وإلطاف ، يرد من قبل اللّه تعالى ؛ ولذلك نجد المتكلم يروم طريقة في الفصاحة ، فتقرب عليه مرة ، وتبعد أخرى ، وحاله في العلم لا تكاد تختلف ؛ وإنما كان كذلك لأن لطائف هذه الأمور ، تحصل بغالب الظن ، وإن كان ظاهرها يحصل بالعلم ؛ وأنت تعرف ذلك في الكتابات ، لأن لطائف ما تصير به أشكال الحروف على نظام مستقيم حسن ، لا يضبطها الكاتب ؛ وإنما يعرف الجمل من ذلك ، وفي التفصيل يفزع إلى غالب الظن ؛ لأن اللّه تعالى لم يقرر في العقول ، العلوم الضرورية بهذه اللطائف ، وإنما قرر فيها العلوم بالجمل ابتداء ، أو عند الممارسة ؛ وأنت تتبين ذلك فيما نقول : إنه من كمال العقل في المدركات وغيرها ، لأنه لا بدّ في تفصيلها من لبس ، يخرج العاقل إلى ضرب من التأمل [ لأن المشاهد للسواد والأسود ، وإن عرفهما فقد يحتاج في كون أحدهما غير الاخر إلى ضرب من التأمل « 1 » ] ؛ وكذلك في أن هيئة السواد للحال ، لا للمحل

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ساقط من « ص » .